عباس حسن
214
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
ولا تحتمل مرادا غير ما يراد منه ؛ فهي نص في معناه « 1 » الحقيقي ، نحو : أنت تعرف لوالديك فضلهما ، يقينا . أي : توقن يقينا ، فجملة : « تعرف لوالديك فضلهما » هي في المعنى : « اليقين » المذكور بعدها ، لأن الأمر الذي توقنه هنا هو : الاعتراف بفضل والديك ، والاعتراف بفضل والديك هو الأمر الذي توقنه ، فكلاهما مساو للآخر من حيث المضمون . ومثلها : سرّتنى رؤيتك ، حقّا ، بمعنى : أحقّ حقّا ، أي : أقرر حقّا . فالمراد من : سرتنى رؤيتك ، هو المراد من : « حقّا » ، إذ السرور بالرؤية هو : « الحق » هنا ، والحق هنا هو : « السرور بالرؤية » . فمضمون الجملة هو مضمون المصدر ، والعكس صحيح . فكلمة : « يقينا » ، و « حقّا » وأشباههما من المصادر المؤكدة لنفسها ، منصوبة بالفعل المحذوف وجوبا ، النائبة عنه في الدلالة على معناه . أما فاعله فقد صار بعد حذف الفعل فاعلا للمصدر ، وهذا الفاعل ضمير مستتر تقديره في المثالين : أنا . ولا يصح في هذا النوع « 2 » من الأساليب تقديم المصدر على الجملة التي يؤكد معناها ، ولا التوسط بين جزأيها . ومنها : الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مؤكدا لغيره ؛ بأن يكون المصدر واقعا بعد جملة معناها ومدلولها ليس نصّا في معنى هذا المصدر ومدلوله ؛ وإنما يصح أن ينطبق على معناه وعلى غيره قبل مجيئه ؛ فإذا جاء هذا المصدر امتنع الاحتمال ، وزال التوهم وصار المعنى نصّا في شئ واحد ؛ نحو : هذا بيتي قطعا ، أي : أقطع برأيي قطعا . فلو لا مجىء المصدر : « قطعا » لجاز فهم المعنى على أوجه متعددة بعضها حقيقي ، والآخر مجازى . . . - أقربها : أنه بيتي حقّا ، أو :
--> ( 1 ) ولذلك سمى المؤكد لنفسه ، لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي تتضمن معناه نصا ؛ فكأنه نفس الجملة التي أعيدت ، وكأنها ذاته . ( 2 ) من هذا النوع : لا أفعل الأمر البتة . فكلمة : « البتة » ، مصدر حذف عامله وجوبا . والتا فيه ليست للتأنيث ، وإنما هي للوحدة . ومعنى « البت » القطع . أي : أقطع في هذا الأمر القطعة الواحدة ؛ لا ثانية لها ، فلا أتردد ، ثم أجزم بعد الترد . وقد تكون « أل » هنا للعهد ، أي : القطعة المعهودة بيننا ؛ وهي التي لا تردد معها . فألبتة : تفيد استمرار النفي الذي قبلها . ولو لم توجد لكان انقطاء محتملا . والأفصح ملازمة : « أل » لكلمة : « البتة » في الاستعمال السالف وأن تكون همزتها للقطع .